top of page
Crystal Salt

المتهم البريء يعلن ميلاد السينما في سورية

كتب جان ألكسان في كتابه"السينما السورية في ستين عاماً"


المتهم البريء يعلن ميلاد السينما السورية

المتهم البريء هو الفيلم الذي يؤرخون به بداية الإنتاج السينمائي في سورية عام١٩٢٨ ، عندما اجتمع عدد من الهواة واستوردوا جهازاً صغيراً للتصوير السينمائي قياس ٣٥ ميللمتر طراز (كينامو) لتصوير فيلم سينمائي..

كان هؤلاء: أيوب بدري وأحمد تللو ومحمد المرادي، وكان الأول أبرزهم وأكثرهم تعلقاً بهذا الفن الجديد.

وكان هؤلاء الشباب يميلون إلى التمثيل، وقد أخُذوا بما شاهدوه من أفلام سينمائية أجنبية، وخاصة أفلام رعاة البقر وأفلام طرزان وغيرها، وكانت تعرض آنذاك بكثرة في دور السينما، وعندما حاولوا تحقيق فيلم سينمائي فوجئوا، هم الثلاثة، بأن إنتاج فيلم سينمائي يحتاج إلى عمليات فنية معينة لا يجيدونها، بالإضافة إلى عملية التصوير السينمائي التي هي بدورها

بحاجة إلى من يتقنها..

في تلك الفترة كان رشيد جلال – وهو من الرعيل الأول في مجال السينما – هاوياً سينمائياً وكان يمتلك كاميرا للسينما من قياس ٩,٥ ميلليمتر pathebaby مع آلة للعرض ولوازم التحميض والطبع..

ولرشيد جلال قصة نقلته من الهواية إلى الاحتراف بسبب التشجيع الذي لقيه من شركة Pathe فقد أرسل لها مرة فيلماً عن زيارة الجنرال سراي لدار الحكومة في دمشق لتحميضه بنسخة بوزيتيف فاشترته منه بمبلغ ١٥٠ فرنكاً وأدخلت بعض أقسامه في الجريدة المصورة (باتيه بيبي غازيت) التي كانت تصدرها شهرياً وتوزعها في العالم..

وقد تم الاتفاق بين أيوب بدري وزميليه من جهة ومع رشيد جلال من جهة ثانية على تصوير الفيلم على أن يكون شريكاً رابعاً لهم..

وكان من ضمن الاتفاق أن يتولى رشيد جلال _بالإضافة إلى التصوير_ وضع السيناريو للقصة التي كانوا قد وضعوا خطوطها الأساسية وكان كل مايعرفه رشيد عن فن السيناريو هو كتابة القصة بصورة مقطعة إلى مشاهد يجري تصويرها من قريب ومن بعيد، مع إظهار الانفعالات على وجود الممثلين حسب ماتوحي به القصة..

وسميت الشركة السينمائية الوليدة التي ضمت هؤلاء الشباب المغامرين وهو الإسم التاريخي الشهير لجبل الشيخ « حرمون فيلم».

يقول رشيد جلال أن شركاءه الآخرين لم يكن يهمهم من الأمر سوى مشاهدة أنفسهم على الشاشة الفضية لميلهم الشديد للتمثيل السينمائي، واعتقدوا أنه عمل سهل جداً قياساً بالتمثيل المسرحي، لأنه لا يحتاج إلى مسرح وستائر مصورة وأثاث من نوع منوع فأرض الله الواسعة تجعل التمثيل في الأمكنة المختارة سهلاً، فضلاً عن إمكانية استعمال الكثير من الوسائل التي

تجعل التمثيل قريباً من الحقيقة كركوب الخيل والعربات والزوارق التي لا يتسنى استعمالها في المسرح..

وبحثوا أمر اختيار الممثلين، وهذا أوقع خلاف بين رشيد جلال والآخرين لأنه لم يجد فيهم – كما قال – من يصلح ليكون ممثلاً سينمائياً، وكان يود إشراك عناصر ذات المام بالتمثيل المسرحي، وعناصر ذات وجوه وصفات لها قابلية التصوير « فوتوجنيك » وإشراك شخص اسمه إسماعيل أنزور كان له المام كاف بالأمور السينمائية، لأنه شاهد أعمالها عن كثب في النمسا وتركيا، وسعى لإقناع الشركاء بصرف النظر عن إخراج القصة والاتجاه لإخراج فيلم عن الآثار في سورية وبيعه إلى الشركات السينمائية الأجنبية التي كانت تطالب بمثل تلك الأفلام... ولكن الشركاء أصروا على إخراج الفيلم إلى مرحلة التنفيذ.

وتم الاتفاق على تصوير فيلم « المتهم البرئ » على أن يمثل دور البطولة فيه أيوب بدري، ويمثل الأدوار الأخرى زميلاه بالإضافة إلى عناصر من هواة التمثيل من خارج الشركة... أما قصة الفيلم فكانت مستوحاة من قصة حقيقية، وقعت أحداثها في دمشق إبان حكم الملك فيصل، وهي قصة عصابة من اللصوص عاثت فساداً في أنحاء مختلفة من ضواحي دمشق، وألقت الرعب في النفوس..

أنتجت القصة مع تحوير في مسارها وإحداثها لإدخال عنصر المرأة في الفيلم، إذ ليس من المعقول إخراج فيلم دون امرأة.. وقد اتفقت الشركة مع آنسة من إحدى عائلات دمشق المعروفة للقيام بالدور الأول النسائي، وقد جاء بها حلاق للنساء اسمه وديع شبير، ومثل المذكور دور المستنطق في الفيلم..

بوشر بتصوير الفيلم أمام كهوف جبل قاسيون وفي غرف دور السكن المفروشة، وكانت عملية تقوية النور داخل الغرف تتم بواسطة عاكسات بيضاء لامعة صنعت محلياً.. أما عملية تحميض النيجاتيف، فكانت تجري بلف الفيلم على أسطوانة خشبية كبيرة صنعت خصيصاً لهذه الغاية محلياً، ثم توضع الأسطوانة ضمن وعاء مبسط مصنوع من معدن الزنك ومدهون بمادة لا

تتأثر بالسائل الحمضي، ويتم ملء الوعاء بالسائل المظهر، وتدور الأسطوانة الحاوية على الفيلم السالب فيه حتى تظهر الصور على الفيلم، ويجري التثبيت والتنظيف والتنشيف على نفس الطريقة.

وكانت تستخدم عدة اسطوانات لهذا الغرض تستوعب كل واحدة خمسة عشر متراً من الأفلام السالبة، وهوالمقدار الذي كانت تستوعب الكاميرا« كبنامو ».

وأجريت عملية التركيب على نفس الفيلم السالب، وأرسلت المواد بالتتابع إلى شركة G.T.M وشركة « اكليرتيراج » في فرنسا للطبع، وأما العناوين والمحاورات فكان طبعها يتم على كرتونات باللغتين العربية ١٨ سم وترسل بدورها إلى فرنسا لسحب الفيلم عليها..

بالإضافة إلى تصوير الفيلم بالكاميرا « كينامو » التقطت بعض الصور الثابتة بقياس 10X15 للحصول على صور فوتوغرافية واضحة للإعلان عن الفيلم ..

تم تصوير فيلم « المتهم البريء » في ثمانية أشهر، وكان طوله ثمانمئة متر، وقد عرض للتجربة أمام ممثلي الفيلم والسيد توفيق شماس في سينما الكوزمزغراف « سينما أمية فيما بعد » وتم الاتفاق على عرضه في الدار نفسها، ووضعت صور لبعض مشاهد الفيلم على مدخل السينما سلفاً، بالإضافة إلى إعلانات كتب عليها " قريباً: المتهم البريء.. أول فيلم سوري إنتاج حرمون فيلم » : وألصقت مئات الإعلانات على الجدران في جميع أنحاء مدينة دمشق مطبوعة بلونين..

وتقدمت الشركة إلى السلطات الفرنسية بطلب الترخيص حسب الأصول وعرض الفيلم أمام موظفي الرقابة الفرنسيين، وبعد ثلاثة أيام فوجئت بمنع عرض الفيلم بسبب وجود آنسة قالوا أنه لايجوز ظهورها في الفيلم لأنها مسلمة وغير محترفة، ولأن رجال الدين في المدينة يحتجون على ذلك مما يسبب اخلالاً بالأمن العام ..

ورغم إبراز العقد الموقع منها للعمل في الشركة ورغم أن سنها تجاوزت الخامسة والعشرين، ورغم الوساطات المختلفة لدى الأشخاص الحاكمين في ذلك الوقت، والمساعي التي بذلت لدى رجال الدين، لم تقبل سلطات الانتداب بعرض الفيلم بحالته الأولى، وطلب إلى أصحابه تغيير المشاهد التي تظهر فيها هذه الآنسة، ووضع مشاهد تمثل فيها امرأة محترفة على أن تكون غير مسلمة..

وكانت خيبة الأمل بين الشركاء مؤثرة جداً، خاصة وأنهم كانوا قد وضعوا جميع ما يملكون من مال لإنتاج هذا الفيلم، بالإضافة إلى الجهود الكبيرة التي بذلوها على مدى ثمانية أشهر كاملة...

وعادوا يدرسون الوضع من جميع الوجوه، فلم يجدوا من سبيل سوى إعادة تصوير المشاهد التي تظهر فيها الفتاة بعد أن تعاقدوا مع راقصة ألمانية لها المام بالتمثيل اسمها « لوفانتيا » تعمل في ملهى «الاولمبياد » وبدأوا التصوير من جدي، .

وكان طول المشاهد التي أعيد تصويرها ٢٧٠ متراً، أرسلت بدورها إلى فرنسا لطبع نسخ البوزيتف عنها، وقد أخرت هذه العملية عرض الفيلم ستة شهور كاملة..

وعندما عرض الفيلم في سينما الكوزمو غراف كان الإقبال عليه منقطع النظير، مما اضطر رجال الأمن لإقامة سد على مدخل حي البحصة من جهة المرجة لمنع الازدحام، وكانوا يسمحون بدخول الناس بالتتابع، وعندما تمتلئ الصالة بالرواد يشرعون في تفريق الجموع باستعمال العنف أحياناً.. وقد عرض الفيلم في معظم المدن السورية بالإضافة إلى بيروت وطرابلس.. وكان صامتاً.

بعد ذلك انسحب رشيد جلال من الشركة لعدم انسجامه مع الشركاء، وحلت الشركة، إذ لم يعد لدى أفرادها المال اللازم لشراء معدات لابد منها لمتابعة الإنتاج.

٣٤ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل

Comments