top of page
Crystal Salt

سينما بول توماس أندرسون3/4 : تصميم الإنتاج والأزياء والتفاصيل


دراسة للكاتب و الباحث الأميركي برينت دونهام

نشرت في 2 أكتوبر 2022

ترجمة : محمد زرزور



تسعى دائماً الأزياء في الأفلام, وكذلك اختيار المواقع واكسسوارات الشخصيات, لإيصال الكثير من المعلومات إلينا قبل أن يبدأ الحوار.

الأزياء في INHERENT VICE
تقديم الشخصية

عندما تقابل شخصاً ما، فإنك تشكل رأيك الأول عنه في غضون ثوان، يأتي معظم هذا الانطباع من مظهرهم الجسدي، والسلوك البشري.

قصير، طويل، سمين، نحيف، حسن الملبس، سيء الملبس، الشعر الطويل، الشعر القصير، لحية، شارب، أقراط، عقد، فينبغي على صانع الأفلام عند تصميم مظهر شخصياته مراعاة كل هذه العناصر.

في سيناريو مثالي، سوف ينتبه الجمهور إلى الأزياء، التي عادة ماتظهر سطحياً، لكن لا شعورياً، يلعب التأثير العام لتصميم ملابس الشخصية دوراً في التجربة.

يحتوي INHERENT VICE على بعض الأمثلة الرائعة من الأزياء التي تُعلم الشخصية، شأنها شأن العديد من أفلام أندرسون، فهي تظهر فترة زمنية معينة تشبه تلك المتعارف عليها في جنوب كاليفورنيا عام 1970.

يجتمع العديد من الفئات السكانية في الفيلم، فهناك الهيبيز على الشاطئ ورجال الشرطة، وهناك رجال الدين يرتدون ملابس بيضاء، وعصابة راكبي الدراجات النارية، وعضو في حزب الفهد الأسود.

لكل مجموعة مظهرها الخارجي المميز والهادف.

من خلال إلقاء النظرة على الشخصيتين الرئيسيتين دوك سبوتيلو، وديت بيورنسن، فــ دوك هو محقق خاص، وبيورنسن هو عضو في شرطة لوس أنجلوس، حيث نفهم بسرعة كبيرة أن هذين الرجلين لديهما علاقة كراهية.

من الناحية المثالية، هما وجهان لعملة واحدة، حيث يتصادمان حول العديد من الموضوعات، حتى لو كان هدفهم النهائي واحداً، فــ دوك هو من الهبيز القذرين، بينما بيورنسن هو رجل القانون.



دوك لديه شعر أشعث، وله سوالف مقطعة، وهو إما حافي القدمين أو يرتدي الصنادل في جميع الأوقات. نهجه في حل القضية فضفاض، وشارد في بعض الأحيان، ومايرتديه دائماً يعكس هذا.



بيورنسن متوتر ومحبط، دائماً مايرتدي البدلات، حليق الذقن دائماً، وغالباً ما يرتدي بدلة سوداء وربطة عنق.

بيورنسن محقق لا معنى من وجوده، إنه عكس دوك في كل شيء، وهذا التناقض يبدو واضحاً في كل شي كأمر مسلم به، من خلال الأزياء.

على صانع الأفلام أن يركز فيما ترتديه شخصياته، وفي تصميم زي مدروس لصناعة أفلام قوية، تعزز بشكل كبير فهم الجمهور للشخصية، ويعزز أداء الممثل.

المواقع في PHANTOM THREAD
حصر الشخصيات

عندما نشاهد Phantom Thread، فأننا نعلم أنها قصة حميمة، بينما في الواقع هي قصة خانقة.

رينولدز وودكوك (دانيال داي لويس) هو مصمم الأزياء الأول، وهو مطلوب من قبل الآخرين،كما أن منزله هو المكان الذي يعمل فيه مع العديد من الخياطات.

المبنى عبارة عن منزل مستقل أنيق على الطراز الجورجي، إنه مبنى مرتفع ولكنه ليس واسعاً، فهو مكون من 5 طوابق، ويبدوعمودياً أكثر بكثير مما هو أفقياً.

إن هذا ليس موقعاً بناه أندرسون على شريط الصوت، بل هو موقعاً حقيقياً حيث صور غالبية الفيلم.

لكن لماذا صور أندرسون في هذا المبنى؟ وماذا عن التصاميم المعمارية الضيقة ؟

لقد اختارها أندرسون ليضيف نوعاً من التوتر الذي دعت إليه قصته، فشخصية وودكوك هادئة لكنها مخيفة، وإذا كان يعيش في قصر، فلن يصادف ذلك، وقد يكون تشدده اللطيف تهديداً فارغاً.

تتصاعد الدراما شيئاً فشيئاً لأن هذه الشخصيات لا مهرب منها، فهم يعيشون فوق بعضهم البعض، وهذا يدفعهم إلى ماضيهم الحميمي.

ففي مشهد الإفطار نلاحظ نقص المساحة الفيزيائية كيف يؤدي إلى الشعور بالتوتر والضيق.



تجلس ثلاث شخصيات على طاولة تشغل معظم المكان، حتى الطاولة مزدحمة بالأطباق والطعام وأقداح الشاي، الجدار حول ظهورهم ويحيط بهم.

هذه مساحة ضيقة وغير مريحة، كما أن الحوار في المشهد محرج أيضاً.

فلو تخيلنا نفس المشهد في غرفة طعام كبيرة، لن يكون لها هذا التأثير. فضيق المسافة بين الشخصيات يعطينا المعنى الحرفي للتوتر ونشعر بالمسافة العاطفية بين الشخصيات، بينما التوتر سيختفي في المساحات الواسعة.

لذلك عند البحث عن الموقع المثالي للمشهد، لابد من أن نضع في الاعتبار كيف ستضيف المساحة الواسعة (أو ضيقها) إليه.

ليس من السهل التصوير في مثل هذه الأماكن الضيقة، لكن تأثيرها على الممثلين سيعزز أدائهم.

ولهذا يجب أن يكون مصمم الإنتاج الخاص على دراية بالمساحة المطلوبة في وقت مبكر، أو حتى يتعاون مع مدير الموقع لإنشاء أفضل مساحة لخدمة القصة.


تقسيم النص في There Will Be Blood

إن كتابة سيناريو مختلفة تماماً عن كتابة رواية، فكتابة السيناريو عادة ما تكون محدودة النطاق و دور صانعي الأفلام فيها هو "ملء الفجوات".

تتمثل مهمة المخرج في تصور السيناريو ووضع بصمته الشخصية عليه، وهذا مايفعله بول أندرسون في كل مرة ، مما يجعله مخرجاً مؤلفاً.

في الرواية، يمكنك قضاء الصفحات في وصف الموقع، فيحصل القارئ على التفاصيل من كلماتك وخيالهم. بينما في السيناريو، ليس لديك هذه الرفاهية، فعليك قصر أوصافك على ما هو ضروري والمضي قدماً.

وهنايصبح تقسيم النص ضرورياً، و هذه هي الطريقة التي يمكنك بها جمع أفكارك للحصول على مظهر المشهد، أو مناقشة التفاصيل حول الاكسسوارات الضرورية.

إن عملية تقسيم النص تتيح لصانع الأفلام فرصة لتحسين رؤيته والعمل على التفاصيل.

لقد أخذنا المشهد الأخير المذهل من There Will Be Blood كمثال لكيفية تنفيذه ، الحوار والأداء رائعان ولكن ما هي التفاصيل التي أضيفت لجعل المشهد لا يُنسى؟





النص خفيف للغاية في التفاصيل، والحوار هو المحور الأساسي للمشهد، ولا يوجد الكثير من الخصوصية حول مظهر الموقع والأزياء وما إلى ذلك.

في هذا المشهد، دانيال بلاينفيو (دانيال داي لويس) بات متهالكاً، لقد جعلته عقود من القسوة منه ثرياً، لكنها أبعدت عنه كل من حوله. إنه وحيد، مدمن على الكحول وغير مختل.

خارج الحوار، ما هي القرارات التي يجب اتخاذها لتحويل هذا المشهد من كلمات على الصفحة إلى صور متحركة؟

في أحد الأوصاف من النص نقرأ "هناك زجاجات خمور فارغة حول.....

signs of a MESS/BOOZE/TROUBLE..."

فنحصل على فكرة أساسية عن الشكل الذي يجب أن يبدو عليه المشهد. وهنا يأتي تفصيل تقسيم النص.

ولنشاهد المشهد معاً:


بالحديث عن الزي والمكياج والشعر، يمكن اعتبار عناصر صناعة الأفلام هذه أمر بديهي، لكنها ضرورية، حيث يتم تحديد الكثير من أداء الشخصية من خلال طريقة تقديمها.

لايمكن نكران أداء دانيال داي لويس الحائز على أوسكار أفضل ممثل عام 2008، لكنه قد يكون أفضل أداء قدمه والتزم به على الإطلاق كما أراده أندرسون.

لكن بمتابعة المظهر الخارجي لدانيال بلينفيو، نرى شعره غير مغسول، ولحيته الخفيفة طويلة، تظهر بعض الثقوب على حذائه، بينما سترته ملطخة، ويبدو أنها لم تغسل منذ فترة طويلة جداً.

في المقابل، إيلي صنداي (بول دانو) حليق الشعر، وشعره إلى الخلف، وهو يرتدي ملابس لا تشوبها شائبة.

لقد تم تصميم شكله بطريقة مغايرة تماماً لدانيال.



قبل أن يتحدثوا ، يمكننا أن نعرف الكثير عن مواقفهم، و يتطلب هذا المشهد أيضاً اكسسوارات محددة.

بلينفيو يأكل ويشرب في المشهد. لكنه لا يشرب من الكوب، ولا يأكل بالأواني.

يفرغ بلينفيو الكحول مباشرة من إبريق زجاجي كبير، وهو يأكل ما يشبه شريحة لحم مطبوخة قبل أيام.

قد يُعتبر سؤال مثل "كيف يجب أن تبدو شريحة اللحم التي يأكلها دانيال؟" هو مضيعة للوقت.



لكن عندما نشاهد المشهد مرة أخرى، نلاحظ كيف أن صلابة شريحة اللحم تظهرها نيئةً، ومن خلال ملاحظة كيفية إزالة العظام أو قطع الدهون من فمه، لن يكون هذا المشهد هو نفسه بدون شريحة اللحم القاسية المطبوخة أكثر من اللازم.

إن جميع هذه الاعتبارات لابد من إجرائها بالتفصيل في السيناريو المقسم، فعندما يقوم صانع الأفلام بتحديد التفاصيل بنصه أكثر وأكثر، سيكون فيلمه أفضل حالًا بكل تأكيد.



٨ مشاهدات٠ تعليق