top of page
Crystal Salt

استعراضات برتبة فيلم قصير



بقلم: جمال الدين بوزيان

المتابع للسينما الهندية القديمة والحالية خاصة، يلاحظ أن بعض الاستعراضات الغنائية الراقصة التي تتضمنها أفلام بوليود، ليست مجرد مادة ترفيهية لا علاقة لها بمضمون الفيلم أو مجرد لقطات دخيلة لا تأثير لها في سير الأحداث و تغيرها.

المنتقدون والساخرون من بوليود دائماً ما نسمعهم يعبرون عن انزعاجهم من عدم ارتباط أغاني ورقصات الفيلم مع مضمونه، حيث تكون الأحداث في مكان وزمن معينين، ثم فجأة نجد البطل والبطلة في بيئة سويسرية فاتنة أو حديقة فنلندية ساحرة يرقصان و يتبادلان المداعبة الرقيقة كأنهما سافراً في آلة الزمن.

لكن، بعض الأفلام الهندية المنتجة في السنوات التي بدأت فيها موجة التطور والانتشار العالمي مع بداية التسعينات أو منتصف التسعينات لغاية اليوم، فيها كثير من التغيير في دمج الاستعراض الجميل والمبهر مع سياق القصة والحبكة الفنية والدرامية للفيلم، لتتماشى مع طبيعة الشخصيات وتغيرها، حيث يمكن لاستعراض واحد أن نفهم منه نصف الفيلم أو نجده يجيب عن تساؤلات كثيرة يمكن أن نطرحها لو لم نتابع الاستعراض، فمن المستحيل فهم الفيلم إذا قمنا بضغط زر الريموت كنترول لتجاوز اللقطات و تسريعها.

أحسن مثال عن هذا هو الاستعراض الأول في فيلم "Aaja Nachle" المنتج سنة 2006 و الذي عادت به الممثلة المخضرمة مادهوري ديكسيت للأضواء بعد غياب فترة بسبب الزواج والانتقال للعيش بالولايات المتحدة الأمريكية مع زوجها الطبيب الهندي شريرام مادهاف نيني.

الفيلم من عنوانه هو فيلم استعراضي، يحكي قصة عشق للرقص، اختيار مادهوري لم يكن صدفة، فالراسخ لدى الجمهور والصحافة الفنية الهندية أن مادهوري هي أحسن ممثلة تجيد الرقص الهندي التقليدي دون منازع، لذلك عودتها للجمهور كانت بفيلم محتواه عن الرقص.

للأسف الفيلم لم ينجح جماهيرياً ومادياً، لكنه كقيمة فنية بالنسبة لعشاق الرقص والمبتدئين أصبح بمثابة ملهم لكثير من الراقصات الهنديات اللواتي يرين في مادهوري صورة النموذج التي يحلمون بالاقتداء بها.

في استعراض O Re Piya مادهوري ترقص بجسمها وتعابير وجهها تحكي لنا بعض تفاصيل الفيلم، حيث نتابع في أول الفيلم استعراضها الأول الذي تتخلله بعض اللقطات التمثيلية من حين لآخر، وخلال هذا الاستعراض نفهم قصة الفيلم من البداية ولماذا هاجرت مع حبيبها الأجنبي هرباً من قريتها، تاركة عائلتها و كل حياتها البسيطة هناك.

هذا الفيلم بالخصوص، لا يمكن للمشاهد فيه تجاوز استعراضه الأول، لأنه لن يفهم بقية الفيلم و لن يفهم لماذا قريتها ترفض عودتها و لماذا تعامل البطلة كأنها مجرمة متمردة على تقاليد مجتمعها.

الفيلم الثاني هو Kalank، هو لنفس الممثلة التي أصبحت مقلة جداً في أعمالها، و كانت بطلة مساعدة في هذا الفيلم الجديد المنتج سنة 2019 تاركة دور البطولة الأولى فيه للممثلة الشابة المحظوظة جداً عالية بهات وشريكها المتكرر في الأفلام فيرون دهاوان، و قد لقي الفيلم استحسانا كبيراً و اهتماماً ملفتاً من الجمهور و الصحافة في أول صدوره، و بعدها تضاربت حوله الآراء.

الفيلم يتضمن استعراضاً تقليدياً جميلاً بعنوان Tabaah Ho Gaye من تصميم ساروج خان وهي من أهم مصممي الرقصات في الهند، التصوير كان موفقاً جداً كأغلب أفلام بوليود الكبيرة التي أصبحت رائدة في مجال تصوير الاستعراضات الفخمة في البلاتوهات الواسعة، حيث تنتقل الكاميرا بسلاسة كأنها ترقص مع مادهوري وتتفاعل مع نغمات الأغنية التي أدتها شريا غوشال، و هي أيضاً واحدة من أكثر المغنيات طلباً في الأفلام الهندية حالياً، ربما ستكون هي لاتا مانغيشار القادمة لو كتب لها العمر الطويل.

خلال الاستعراض الذي ترقص فيه مادهوري مع مجموعة من الراقصات في بهو الماخور الذي تعمل به، تستمر أحداث الفيلم مع استمرار الاستعراض حيث نرى البطلة (عالية بهات) مع زوجها في علاقة حميمية لأول مرة بعد فترة زواج أفلاطوني شكلي، ليدخل بعدها البطل لبيت الدعارة لفض الاستعراض الراقص وهو في ذروته ليلوم والدته (مادهوري) على تسببها في كل ما حدث، يحاول خنقها بعنف قبل أن يضعف و يرتمي في أحضانها باكياً على حبيبته التي ضاعت منه و تزوجت من أخيه، لتحتوي (مادهوري) ابنها غير الشرعي (فيرون) مواسية له على مصابه.

فيلم آخر تحكي رقصته بعض التفاصيل، هو فيلم Players المنتج سنة 2012، و كانت البطولة فيه جماعية لعدد من نجوم الهند (بوبي ديول، بيباشا باسو، أبهيشيك باتشان، سونام كابور، نيل نيتين موكيش...).

في أغنية Ho Gayi Tun تظهر نجمة الإغراء الهندي وعارضة الأزياء السابقة بيباشا باسو في ملهى ليلي ترقص مع مجموعة راقصات على منصة الملهى، لجلب انتباه رجل أعمال أجنبي وتخذيره وسرقته مع زملائها في الجريمة.

الاستعراض ليس تقليدياً أبداً، بل الرقص فيه هو رقص ملاهي، حيث العري والحركات الإيحائية تكون متوفرة جداً، و هو ما يليق بالممثلة بيباشا باسو التي تجيد الكثير من الإغراء والقليل من التمثيل، بينما شركائها في التمثيل داخل بلاتو هذا الاستعراض (الملهى الليلي) يتحاورون فيما بينهم بلغة العيون والإشارات في انتظارهم لإتمام مهمة السرقة المخطط لها.

خلال الاستعراض تنتقل الراقصة (بيباشا) بين شخصيات الفيلم وتتظاهر بإغوائها لهم ورقصها معهم إلى أن تصل لضحيتها (رجل الأعمال الأجنبي)، و تبادله الرقص قبل أن يحملها بين يديه ويصعد بها لإحدى غرف الملهى وينتهي هنا الاستعراض.

الفيلم الأخير الذي أود التطرق له هو فيلم ناجح جدا، ملحمي تاريخي أثار الكثير من الجدل بعد صدوره بسبب عدم الاتفاق على الحقائق التاريخية الواردة في القصة، لكنه من الناحية الفنية و الجماهيرية و حتى المادية كان له الحظ الكبير.

فيلم Jodhaa Akbar المنتج سنة 2008، بطولة هيريتيك روشان وأيشواريا راي في ثاني لقاء بين اثنين من أجمل ممثلي بوليود، ليتكرر بعدها اللقاء بينهما في فيلم Guzaarish سنة 2010، و اللقاء الأول كان في فيلم Dhoom 2 سنة 2006.

بفيلم جودا أكبر، و في أغنية Azeem O Shaan Shahenshah يظهر مئات الراقصين في فناء القصر الكبير وهم يؤدون رقصات هندية متناسقة جداً و كأننا نتابع افتتاحا لكأس العالم أو احتفالات بالأعياد الوطنية، رقصات بها الكثير من الألوان والفرح كأغلب احتفالات الأفلام الهندية، الاستعراض كان بمثابة احتفال بعودة الأميرة الهندوسية "جودا" لزوجها الملك المغولي المسلم "أكبر" بعد خلاف بينهما بسبب مكيدة تسببت في عودتها لمنزل أهلها، والزواج الذي كان بينهما في أول الفيلم تم التخطيط له لتوحيد الأقاليم الهندية التابعة في ذلك الوقت للحكم المغولي.

خلال الاستعراض المبهر تمر أمام المشاهد الكثير من الطقوس الاحتفالية المغولية أو الهندية، والعديد من رقصات الأقاليم والعرقيات التابعة للحكم المغولي، تتخل هذا الاستعراض بعض الحوارات القصيرة جدا، لينتهي الاستعراض بإصابة الملك بسهم غادر من أحد الخونة الذي كان يتربص به طيلة الاحتفال.

هذا، وتعتبر أغاني واستعراضات الأعراس في الأفلام الهندية أيضاً بمثابة أفلام قصيرة، قد تحكي في أغلبها مأساة العريس والعروس أو فرحتهما وقصة حبهما، وقد تتأزم المشاكل والعلاقات خلال استعراض العرس ونرى الكثير من الأحداث خلال متابعة الأغنية، ومنذ ظهور السينما الهندية تعتبر أغاني الأعراس هي أولى الاستعراضات التي لها ضرورة درامية وعلاقة مباشرة بأحداث الفيلم، ولا يمكن القول عنها بأنها لقطات تم إقحامها بالفيلم.

حالياً أصبحت بعض أفلام بوليود لا تلجأ للاستعراض، بل يتم دمج الأغاني مع سير أحداث الفيلم تماماً مثلما تدمج الموسيقى التصويرية، وبعض الأفلام لها خصوصية تجعل من المخرج الذكي يلجأ لمثل هذا الدمج للأغاني بدلاً من إقحام رقصات واستعراضات لا علاقة لها بالسياق الدرامي للفيلم و قد تشوهه وتسيء إليه.

المقال نشر بمجلة شورت/كراسات الفيلم القصير (العدد التاسع- يوليو 2020)







١٦ مشاهدة٠ تعليق

أحدث منشورات

عرض الكل

Yorumlar