top of page
Crystal Salt

دراما الضوء | مدير التصوير السينمائي السوري حنا ورد من البدايات إلى اليوم (1)

تاريخ التحديث: ١١ يناير ٢٠٢٣

حنا ورد، حاصل على ماجستير فنون في التصوير السينمائي، والتلفزيوني من المعهد العالي للسينما في موسكو /فغيك/ منذ العام 1978، واتبعه بماجستير في الخدع السينمائية، ليعمل بعدها في المؤسسة العامة للسينما في سوريا كمصور، ومدير تصوير للعديد من الأفلام الطويلة، والقصيرة بمختلف أنواعها، خاض خلالها تجارب مهمة ما بين الإعلانات، والأعمال التلفزيونية التي نُقلت بأسلوب سينمائي إلى الشاشة الصغيرة.

تعاون خلال مسيرته المهنية مع العديد من المخرجين السوريين، والأجانب، وكان يحضر، ويطور معداته لخدمة وجهة نظره في رسم الإضاءة، وتكوين الصورة السينمائية.

حصد العديد من الجوائز، ليتوج مسيرته المهنية مدرباً، وخبيراً لعلوم التصوير، والإضاءة في العديد من الدورات الأكاديمية، في سعيه لنقل خبرة تزيد عن 40 عاماً إلى جيل جديد من الشباب السينمائي.







كان الفيلم القصير "خطوة خطوة" من اخراج أسامة محمد مشروع تخرجك من المعهد العالي للسينما بموسكو عام 1978، كيف تصف تلك التجربة، هي عادة النقلة الأولى للحياة العملية، ويكون فيها عادة التقييم الأقسى عندما يأتي ممن تعلمنا منهم السينما، وتعايشنا معهم تجاربهم الأكاديمية؟

حنا ورد : في الواقع، صورنا أنا، وأسامة محمد فيلم ما قبل التخرج عن الموضوع الفلسطيني في جنوب لبنان، في استوديو مع ديكور، فأحببنا أن نطور الفكرة، وخصوصاً أن الروس أصبحوا في حالة انتظار لمشروع تخرجنا، فجمعنا أنفسنا، وحملنا المعدات، وأتينا إلى الشام، ومن الشام انتقلنا إلى ضيعة الرامة، وهي ضيعة أسامة، وكان هناك أساتذة مدرسة ساكنين في غرفة من غرف بيت جده، فنشأت علاقة جميلة بيننا، وبدأنا التصوير.

كان قراري هروباً، أو بالأحرى تخلّياً عن ميزات الخمس نجوم، أو العشر نجوم بالنسبة لمدير التصوير، لأعمل بلا نجمة في سوريا، وأنا أتحدث هنا عن الإمكانات التقنية، فقد وصل الأمر إلى حدّ المجيء إلى قرية لا يوجد فيها كهرباء، وكان ذلك تحدياً مهماً، الأسود، والأبيض، وكاميرا واحدة مع عدسات، وليس برفقتي مساعد، فأنا المساعد، وأنا الكل بالكل، لكن، حين أشاهد الفيلم أستمتع، لأننا _ أسامة كمخرج، وأنا كمدير تصوير_ عملنا عملاً مهماً في السينما السورية برأييّ الشخصي، على صعيد الإخراج، أو التصوير، وكان التحدي كيفية التأقلم مع جوّ القرية الصعب، فهناك وحل، وإلى آخره من الأمور المربكة، وفي نفس الوقت أن أظهر الجماليات الحقيقية لهذه القرية السورية، جمال الشعب، ظرافة الأطفال الذين يدرسون، صنعت لهم إضاءة من خلال لوكس مع القليل من العواكس (الشراشف البيضاء) فليس هناك كهرباء، وبحوزتي ضوء بطارية لأسيّر الأمور بهما إلى حدٍّ ما، وكنت سعيداً بهذا التحدي، وخاصةً أن القرية التي صورنا فيها كان أبي هو من حددها بالمساحة كهندسة طبوغرافية، فكانت عودتي بمثابة عودة إلى قرية أعرفها، وليست غريبةً عني، ففي طفولتي قضيت عدة أشهر فيها، وفي قرية الرويمية، فالقريتان بجانب بعضهما.

وكيف كانت ردة فعل الروس على انجاز مشروع التخرج؟

حنا ورد: كان استقبالاً مهماً جداً، وموضوعياً جداً، ومهنياً، وخاصة حين أعطيت التبرير، أنني أحببت أن أبدأ التصوير في بلدي قبل التخرج، أن أتذوّق الطعم، وهذا الأمر أفادني كثيراً حين عملت تدريب، واختصاص في الخدع السينمائية، فقد أصبحت أركز على المعلومات، وخصوصاً في معمل التحميض بالدرجة الأولى، لأنني فهمت أن في سوريا مشكلة في معمل التحميض، فقمت بتقوية معلوماتي التي هي في الأصل قوية، فهذه التجربة أعطتني مجالاً لأستكمل نواقص المعلومات التي ليست من اختصاصي، فالمعمل ليس من اختصاصي، لكن كون المعمل غير جيد أنا مضطرٌ للتدخل، فاهتممت بتصنيع المعدات أيضاً مع أنه ليس من اختصاصي.

بالنسبة لاستقبال الأساتذة، كان استقبالاً جيداً جداً، واهتموا بالتجربة، وعمموها، وعرضوها على أكثر من صف، ولم يقصر المعهد معنا، فقد أعطونا كل المعدات التي نريدها، ما عدا المسجل فلم يكن لديهم إمكانات أن يقدموه لنا، لذلك أعطونا رسالة للتلفزيون السوري أن يعيرونا المسجل، لكن بالطبع نحن لم نطلب منهم ذلك لأنهم لن يعطونا، فنحن في الضيعة، وهم في المدينة، وهنا أشكر مدير التلفزيون السوري أطال الله في عمره الأستاذ فؤاد بلاط فقد كان موقفه مهنياً جداً، فأعطانا مسجل، وأشرطة، وقدم لنا تحسين رهونجي عشر بكرات، وهذا الكلام في عام 1976، فقد أعطونا المعدات التي كانت تنقصنا، وأمنوها، وطبعاً أعدنا لهم تلك المعدات سليمة مع الشكر.


بعد أكثر من عشرين سنة على التخرج، وتحديداً في العام 2002 كنت عضواً في لجنة تحكيم مسابقة أفلام من الامارات ...عندما تكون في موقع اللجنة ألا يخطر ببالك حنا ورد الطالب؟


حنا ورد: بالنسبة لي، أن تكون عضو في لجنة التحكيم كان الوضع محرجاً قليلاً، فقد كانت البداية، أو بالأحرى الاستمرارية، والتجربة الثانية لمهرجان على مستوى الإمارات العربية المتحدة.

المهرجان الأول ربما كان في عام 1996 أو 1994 لا أذكر جيداً، وكان وقتها رحمه الله الناقد السينمائي، والمترجم صلاح صلاح هو المسؤول عن موضوع السينما في المجمّع الثقافي في أبو ظبي، وبما أنه كان الأول، وهو طالب جامعي متخرج، فعينه مدير المجمّع مسؤول قسم السينما في المجمّع الذي يعتبر من أهم المراكز الثقافية في الشرق الأوسط، والأدنى، فلم يبقَ هناك شخص إلاّ وذهب إلى المُجمّع، وعمل ندوة، أو معرض، وكل هذه الندوات مسجلة في ثلاث كاميرات صوت، وصورة، فلديهم أرشيف بصري مرعب، وهذه أيادي بيضاء لمحمد أحمد سويدي، وهو من أنتج فيلم "صبري المدلل" لمحمد ملص، وكلفهم في ذلك الوقت خمسين، أو سبعين ألف دولار.

كان رئيس لجنة التحكيم عمر أميرلاي، فكان وضعاً حساساً جداً، حاولنا أن نكون موضوعيين، فلم يكن هناك مجاملة، كان هناك كمية مرعبة من الأفلام، لكن انتقينا منها، وكان هناك إجماع على أن رأينا كان موضوعياً جداً، وكان الجميع سعداء من النتائج، وعقد لهم عمر أميرلاي ندوة كانت مهمة جداً.

كانت البدايات مع الفيلم القصير "المنام" اخراج محمد ملص، ومن ثم تلتها أفلاماً طويلة مع المؤسسة العامة للسينما مع سمير ذكرى، ومحمد ملص في "حادثة النصف متر"، أحلام المدينة، وقائع العام المقبل .... حدثنا عن هذه الفترة، وماذا قدمت لحنا ورد؟

حنا ورد: بدأت في المؤسسة في بداية عام 1980، كان وقتها سمير ذكرى يحضّر لفيلم "حادثة النصف متر"، وفي ذلك الوقت طلب مني صديقي المرحوم عمر أميرلاي أن أكمل تصوير فيلم "المنام" مع محمد ملص الذي بدأه الزميل الفلسطيني حازم بياعة بعد أن اتفقت معه على استكمال ما بدأه، فأكملت الفيلم، وأقمنا في لبنان لمدة شهر للتصوير، كمنحة إنتاج من قبل اتحاد التسجيليين العرب في بغداد، والتي غطت المرحلة الأولى.

بالنسبة للمؤسسة، كانت بداية جيدة مع المخرج سمير ذكرى الذي عمل جواً جميلاً في الفيلم، فبعد فترة تحضير طويلة، وشرح للجميع ما يريده، انجز الفيلم، وكان له فضلٌ على الكثير من الأشخاص في المؤسسة، وبرأييّ يعتبر فيلم «حادثة النصف متر» من الأفلام المهمة في السينما السورية.

أما بالنسبة ل"أحلام المدينة"، فأعتبرها تجربة صعبة إلى حد كبير، فأنا كنت كاميرا مان، وحضّرت كل البنية التحتية ليأتي مدير التصوير أردوغان إينجين، ويتولى مهمة مدير التصوير، وفيما بعد تولى الصديق حازم بياعة التصوير بعد أن قررت ترك العمل.

وقد شارك في صناعة الفيلم أيضاً المخرج عبد اللطيف عبد الحميد، وأسامة محمد، وعصام سليمان.

الفرق بين التجربتين، بأن سمير ذكرى كتب السيناريو، وفعلياً كان منتج الفيلم، وهو عرّاب التجربة، أما في "أحلام المدينة" فكانت_ للأسف_ هذه التجربة من التجارب المؤلمة بحياتي، وعلمتني أنه لا توجد أجواء سينمائية في المؤسسة.

وكان فيلم "أحلام المدينة" بداية الصراعات التي انتهت بدمار المؤسسة الفعلي، أيّ المضمون، وليس الشكل، لأنه بدأت حروب من دون فائدة، ومن يقول أن الدولة مسؤولة عن أخطاء السينما في الثمانينيّات من الأفضل أن يصمت؛ لأن الدولة لم تكن متفرغة لنا، فقد قدموا لنا ما نريد، ففي الوقت الذي لم تكن فيه دولارات في الدولة، سافرتُ إلى ألمانيا، وأصلحت الكاميرا من أجل فيلم "وقائع العام المقبل"، واستكملت القطع الضرورية للكاميرا، واستطعنا أن نصوّر صوت، وصورة لأول مرة في فيلم سوري، في ذلك الوقت 1985لم يكن هناك نقود في البنك المركزي نهائياً، فتمت صفقة الوكيل يعقوبيان الذي دفع بالدولار للشركة، والمحاسبون دفعوا لهم بالسوري، وأوجدوا طريقة مناسبة، ولا أعتقد أن هناك أفضل من ذلك، ما نريده حدث في فيلم "وقائع العام المقبل" استنفرت استنفار عسكري لتصنيع المعدات الناقصة، وصنعوها لي بما فيها صندوق Underwater، لدينا مشهد تغرق فيه البطلة، فصورنا فيه، الجميع ساعدنا، وقدم خدماته بمستوى عالٍ من المهنية، والحق يقال.

وهنا، أودّ أن أنوّه إلى الأيادي البيضاء للمرحوم فتيّح عقلة عرسان الذي أعتبره استمرارية لحميد مرعي أطال الله بعمره.


يرى جان الكسان في كتابه «تاريخ السينما السورية في ستين عاماً" متحدثاً عن فيلم «وقائع العام المقبل: "في هذا الفيلم تجربة جديدة مستشهداً بقولك : (كان هاجس مجموعة الفيلم، إمكانية تحقيق الحلول الإبداعية، والتشكيلية، وفي سيناريو الفيلم إلى حلول سينمائية مع المخرج، ومع إمكانية تحقيق هذه الحلول، وإيصالها إلى المتفرج.

ما الجديد الذي قدمتموه كفريق عمل بقيادة سمير ذكرى للسينما السورية في هذا الفيلم؟

حنا ورد : أعتزُّ جداً بصداقتي المهنية مع سمير ذكرى، لولاه لم أتعين في المؤسسة، محمد ملص لولا سمير ذكرى لم يأتِ إلى المؤسسة، أسامة محمد لولا سمير ذكرى لم يأتِ إلى المؤسسة، وأنا أتحدث عن عام 1980.

بفيلم "وقائع العام المقبل" كانت هناك تجربة جديدة في طريقة العمل، راهن على مدير تصوير جديد غير معروف لم يصوّر بمفرده فيلم روائي طويل، راهن على التجربة، وربح هذا الرهان لكنني أشكره، لأنه كان من المحتمل ألا يُعرض علي، بل على أشخاص آخرين، هذا أولاَ.

أما ثانياً، فلأول مرة يتواجد ثلاثة مهندسين ديكور معاً في فيلم سوري: حسان أبو عيّاش، لبيب رسلان، ورضا حسحس، وكانت التجربة معهم جميلة جداً، فسمير ذكرى يعرف ماذا يريد درامياً، ودعم التجربة التقنية.

أما بالنسبة للحلول الدرامية، والإبداعية لمدير التصوير، في"فيلم وقائع العام المقبل" كانت تجربة جميلة جداً مع سمير ذكرى، فأراد سمير أن يصنع حركة كاميرا، والمكان أصغر من أن يتحرك الشخص فيه، فصنعت 2 دولي، دولي كبير نعمل عليه في المساحات الكبيرة، وفي نفس الوقت صنعت دولي صغير جداً عرضه 36 سم لأتحرك فيه، وعملنا حركات فكل الممرات عرضها 90 سم، 70 سم وضمن غرفة يتحرك نجاح سفكوني، وهالة الفيصل، وأنا أتحرك معهم، وكانت الغرفة حوالي 14أو 15 متر مربع، الأمر الآخر، فتحت النوافذ، واستخدمت إضاءة الديلايت لأول مرة لذلك كانوا يسمونني "حنا آرك" لأنهم كانوا يسمون الـديلايت فيما قبل بالآرك، فأنا استعملته وهو ما جعلني أفتح النوافذ، لم يوجد لديّ مكان إلا وفتحت نوافذه لأربط بين الخارج والداخل ليتحرك الممثل بحرية، وقدمت شيء اسمه دراما الضوء.


في البداية كانوا يستخدمون أضواء تنغستن في المؤسسة، ولم يكن لديهم الـديلايت لذلك كانوا يضطرون إلى إغلاق الستائر، وكان الحق معهم في ذلك، قالوا لي أن الـديلايت معطلة فأصلحتها، لقد عملت على إعادة بناء تقنية للمؤسسة في عام 1985، وأعدت ذلك البناء في 1995 في فيلم "تراب الغرباء"، فقدمت صورة مغايرة عما كان موجوداً، حركة كاميرا مع ربط الإضاءة بين الداخلي، والخارجي.

أودّ أن أعطيك مثالاً عن مرونة سمير ذكرى، ففي معهد الصم، والبكم الذي هو بيت جبري بنيت رصيف ارتفاعه مترين، وطوله تقريباً 15 متر الـكرين عليه، وأنا أمشي عليه، وآخذه من باب البيت العربي إلى الداخل، في منتصف الليل ذهبت إلى سمير ذكرى، وقلت له غداً سنتأخر قليلاً، لأنني سأسحب الكرين، والسكك كلها لأبعدها متراً عن الحائط، فلقد اكتشفت بأنني كنت مخطئاً، فقال لي لا تحرك شيء من مكانه أنا راضٍ بما تستطيع أن تقدمه، لن أكسر لك هيبتك أمام العناصر، فقلتُ له من الطبيعي أن نغير، هذا الأمر يحدث، فأصر على أن لا أغير.

وعندما وصلت طلبت منهم أن يضعوا لي الكاميرا، وعملت تجربة مع الممثل قبل أن يضع مكياج، فقال سمير بانفعال: أستاذ حنا هذا زيادة عما أريده, لكن أنا أعرف كيف ستكون النتيجة، فسألت العاملين كم لدينا من وقت لنحرك السكك متراً، أو مترين، فقالوا لي: لن يأخذ الأمر أكثر من نصف ساعة، فجاء سمير، وقال لهم: إن كان يريد أن نحرك السكك، قولوا له لا يمكن ذلك، وسنبدأ الآن بالتصوير، فهذا الموقف أعتبره مهم جداً في التعامل مع بعضنا.

في مشهد قطع الرأس في قلعة حلب في قاعة العرش، اتفقنا على التصوير في الساعة الثامنة، أو التاسعة، لكن الديكور لم يجهز إلى أن أصبحت الساعة الثامنة ليلاً، لم أعترض على ذلك، والتزمت الصمت، وحين قالوا أن الديكور قد أصبح جاهزاً، الجميع تخوّف من الوقت الذي سيأخذه تجهيز الإضاءة، فقلت للأستاذ سمير أنني أحتاج لنصف ساعة فقط لتجهز إضاءتي، فذهل، قلت له أنا جاهز، لقد كنت وراءهم، وهم يجهزون الديكور، كلما جهزوا قسماً كنت أضيئه، فقط أريد أن ينتظر الممثلون قليلاً، وحين جربنا الإضاءة، جعلته ينظر إليها من الكاميرا، وسألته عن رأيه بها، فقال الجوّ ساحر، فقلت له: بعد ربع ساعة تدور الكاميرا، سألته إن كان لديه رغبة بعمل تجربة، فقال نعم، وقمنا بتجربتين، وبعدها قال لي أن الحركة قد ثبتت، فأسرع إلي ثلاثة من مهندسي الديكور، مع الماكييرة ستيلا خليل، قبلوني بسعادة، وأخبروني أنهم توقعوا أن يأخذ تجهيز الإضاءة ساعتين، فقلت لهم أنني كنت خلفهم أتابعهم، أنهينا التصوير في الساعة الحادية عشرة صباحاً هل تصدق هذا الأمر، أكثر من أربع وعشرين ساعة عمل.

في الفيلم، راهن سمير ذكرى على ممثلين جدد، نجاح سفكوني، وفتاة ليست ممثلة بل فنانة تشكيليّة مهمة، وهي هالة الفيصل، وهذا رهان مهم.

وكذلك نهاية الفيلم عبارة عن صحراء، كمقاربة لموضوع مستقبل سوريا الذي تصحر ، ففي نهاية الفيلم, يقول معاون الوزير /صالح الحايك/ مخاطباً مايسترو الفرقة الموسيقية نجاح سفكوني/: يا أستاذ منير يقول لك الأستاذ انه مستعجل, اعزفوا، ومن ثم دوزنوا.. فهذه الجملة تمثل حال برأيي فيلم ( وقائع العام المقبل ) من أهم الأفلام السورية.

لكن يجبرنا التاريخ أن نعترف، بأن هناك مشكلة في مونتاج الفيلم، برأييّ الشخصي لم يكن لدينا قناني مونتاج جيدين في سوريا قادرين على أن يفهموا المخرجين، المخرج لا يحب أن يقصقص، لم أكن أحضر بشكل دقيق تصحيح ألوان أفلامي، لكن حين ينتهي سمير ذكرى، أتفقد معه كل لقطة، لكن في المرحلة التي كان يعمل بها، لم أكن أحضر لأن المونتير كان سيئاً يضغط على أعصابي، كنت أقول لسمير أنني أركع أمامه احتراماً له كيف كان يستطيع أن يخرج الصورة من هذا المونتير السيئ، فبرأيي أنه فيلم مهم جداً في السينما السورية، ولاقى ترحاب كبير في أكثر من مكان، وكان من المفروض أن آخذ أكثر من جائزة في مهرجانات كالبرتغال، وغيرها، فلقد اعتبروا أن حنا ورد مدير تصوير إنكليزي.


و تعد نسخة فيلم "وقائع العام المقبل"_ نسخة البوزيتف الحالية _ أفضل نسخة للعرض موجودة لأفلام السينما السورية التي انتجت في الثمانينات، والتسعينات , حتى أنها أفضل من نسخة فيلم "تراب الغرباء" الذي تم إنجازه بعد عشر سنوات في معمل تحميض جديد، وأجهزة جديدة، لكن، لم يكن لدينا من يشغله بشكل جيد، وأنا عملت هذا الأمر، طبعت في التلفزيون على أجهزة التلفزيون الحديثة، وحمضنا في المؤسسة، لأن البوزيتيف كان قديماً، فالأمور كانت مربكة، لكن النتائج برأيي ممتازة، حاول أن تشاهدها الآن في روابط الأفلام، فيلم عميق.

سمير ذكرى إنسان كان ديمقراطياً، والعمل معه كان ممتعاً جداً، والنتائج على ما أعتقد تتساوى مع الكلمات التي قلتها .

ألم يكن هناك فناني مونتاج أكاديميون في تلك الفترة؟

حنا ورد: لم يدرس المونتاج بشكل أكاديمي إلاّ أنطوانيت عازارية، وللأسف، اختلفتْ مع سمير في فيلم "حادثة نصف متر"، وأكمل الفيلم زهير الداية أعتقد أنه لدينا مشكلة مونتاج (مونتيرية)، في سوريا ليس لدينا مونتير محترف.

فالمونتير لدينا يفرض شخصيته، وهذا الكلام غير صحيح، يجب أن يفرض شخصيته من خلال المخرج، وأن يفرض رأيه من خلال فكرة المخرج، الأمر يشبه عزف الاوركسترا، وحين يختلف في الحلول التشكيلية مع المخرج، يذهب إلى الحل الذي يريده المخرج، ففي النهاية المخرج هو من يرى الحل، فهو يرينا صورة، وليس كلاماً، الفيلم كان طويلاً، كان يجب أن يختصر منه عشرين دقيقة، لكن برأيي إنه فيلم عظيم، لقد شاهدت فيلم "المصير" ليوسف شاهين، وتفاجأت، فكنت متوقعاً أنه أهم، أبداً ليس أهم، وهذا برأييّ الشخصي طبعاً.

80 فيلماً إعلانياً سينمائياً عملت فيها مع المخرج نجدت إسماعيل أنزور ما بين عامي 1981_1984 في الأردن، لتنقلا الشراكة فيما بعد إلى التلفزيون منتصف التسعينيات في مسلسل "الجوارح" الذي يعتبر نقل حقيقي للصورة السينمائية إلى التلفزيون، ومن بعدها "مرمر زماني" ....

حنا ورد: أعتبر أن التعرف على المخرج نجدت أنزور من المفاجآت الرائعة في حياتي، إنه إنسان معجون من الموهبة، لا أحد يصدق أن الأفلام الإعلانية التي عملناها في عمّان كانت تُعرض بنجاح كبير جداً، والإعلان رقم 6 انعرض في قناة الـ BBC في لندن، يكفي أن نقول _ساكورا أحلى صورة_ على ما أذكر الفيلم فقط توزع منه مئة نسخة صدّق أو لا تصدق، النسخة التي وجدناها كانت تعرض في التلفزيون العراقي، كنا نعمل على 16 مللي، وعندها قلت لنجدت أنني لن أبقى أعمل على 16 مللي، فالتجربة غير ناجحة، كان بمفرده يعمل بالـ 16 مللي، ثم تشارك مع شخص، وأصبحنا نعمل بالـ35 مللي، أحضرت كاميرتي، وعدساتي، وبدأنا نحمض في روما، وأعتبر هذه التجربة تجربة غنية جداً بالنسبة لي، ولنجدت أيضاً.

تخيّل التحدي في اليوم ينهي إعلان، وليس معي غير مساعد واحد يعمل إضاءة، وتصوير في الوقت نفسه، وليس عشرة مساعدين، لأن الوضع لم يكن يحتمل، فعملنا خارجي داخلي، ولم يبقَ هناك شيء إلا وعملناه، لم نترك مكان في عمّان إلا وصورناه، عملنا دعاية لشركة Shell، وذهلوا حين استخدمت عدسة 1000 مللي، و 500 مللي حتى آخذ لقطات، هو أحب هذا الأمر، ودخل في الدراما، وأنا اعتذرت عن الإكمال بسبب "أحلام المدينة"، وليتني لم أعتذر، أعتبر ترك العمل مع نجدت أنزور من الأخطاء القاتلة في حياتي.



بالنسبة لمسلسل "الجوارح"، حين أدخل نجدت أنزور السينما إلى التلفزيون كان واضحاً ما يريده، وهو يقدر عدم توفر التقنيات، ويفهمك بسرعة، فعمل صورة سينمائية في التلفزيون أحرجت أشخاصاً كانوا يُنَظرون بالصورة السينمائية، ولم يعمل أحد كما عمل نجدت تقريباً, لقد كانت تجربة جميلة.

"مرمر زماني" كانت تجربة متطورة بصرياً بشكل أكبر من "الجوارح"، بالنسبة للجوارح للأسف النسخ المتوفرة سيئة جداً، وهذا يدلك على العقل الاستهلاكي لكل محطات التلفزيون، فالتلفزيون السوري كان من المفروض أن يحتفظ بهذه النسخ، فهذا أرشيف البلد، عمله فنانون سوريون_ وإن مولته دبي_

ومن أبرز التجارب مع نجدت، أنه كان من الممكن أن نصنع فيلماً في ليبيا، وحضرنا له، وصوّر جزء من باليوت، ثم اتفق القذافي مع برلسكوني، وعملا صفقة تحت الطاولة، وتراجعا عن عمل الفيلم، لأن الفيلم كان موضوعه عن القتلى الذين قُتلوا من قبل الجيش الإيطالي في ليبيا.

٢٢ مشاهدةتعليق واحد (١)

أحدث منشورات

عرض الكل